الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
637
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
بالتراضي ، من غير ثبوت خيار ، وقالوا : واللّه لا نقيلك ولا نستقيلك ، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم ؛ قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا ، رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ « 1 » . ومن علامات محبته - صلى اللّه عليه وسلم - التسلي عن المصائب ، فإن المحب يجد في هذه المحبة ما ينسيه المصائب ، ولا يجد في مسها ما يجد غيره ، حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق ، بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ بكثير من المصائب أعظم من التذاذ الخلي بحظوظه وشهواته ، والذوق والوجود شاهد بذلك . فكرب المحبة موجود ممزوج بالحلاوة فإن فقد تلك الحلاوة اشتاق إلى ذلك الكرب كما قيل : تشكى المحبون الصبابة ليتني * نحلت بما يلقون من بينهم وحدى فكانت لقلبى لذة الحب كلها * فلم يلقها قبلي محب ولا بعدى ومن علامات محبته - صلى اللّه عليه وسلم - كثرة ذكره ، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره . ولبعضهم : المحبة دوام الذكر للمحبوب ، ولآخر : ذكر المحبوب على عدد الأنفاس . ولغيره : للمحب ثلاث علامات : أن يكون كلامه ذكر المحبوب ، وصمته فكرا فيه ، وعمله طاعة له . وقال المحاسبي : علامة المحبين كثرة الذكر للمحبوب على طريق الدوام ، لا ينقطعون ولا يملون ولا يفترون ، وقد أجمع الحكماء على أن من أحب شيئا أكثر من ذكره ، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب المحبين لا يريدون به بدلا ولا يبغون عنه حولا ، ولو قطعوا عن ذكر محبوبهم لفسد عيشهم ، وما تلذذ المتلذذون بشيء ألذ من ذكر المحبوب . انتهى . فالمحبون قد اشتغلت قلوبهم بلزوم ذكر المحبوب عن اللذات ، وانقطعت أوهامهم عن عارض دواعي الشهوات ، ورقت إلى معادن الذخائر وبغية
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 169 ، 170 .